تخيل أن شخصين قررا في اليوم نفسه إنشاء مشروعين متشابهين، يمتلكان رأس المال نفسه، والخبرة نفسها تقريبًا، وحتى الحماس كان متقاربًا

بعد عام واحد، أصبح أحد المشروعين ينمو بثبات، بينما أغلق الآخر أبوابه.

قد يظن البعض أن السبب هو الحظ، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

لم يكن الفرق في الفكرة، ولا في رأس المال، ولا حتى في الظروف، بل كان في القرارات الصغيرة التي اتخذها كل واحد منهما خلال ذلك العام.

أحدهما كان يراجع خطواته باستمرار، ويعترف بخطئه إذا اكتشفه، ولا يخجل من تغيير طريقته عندما يرى طريقة أفضل.

أحدهما كان يراجع خطواته باستمرار، ويعترف بخطئه إذا اكتشفه، ولا يخجل من تغيير طريقته عندما يرى طريقة أفضل.

أما الآخر، فكان يتخذ قراراته بدافع العاطفة، ويؤجل القرارات الصعبة، ويتمسك بأفكاره حتى عندما تثبت النتائج أنها لم تعد مناسبة.
ومع مرور الأيام، تراكمت تلك القرارات الصغيرة، حتى صنعت فجوة كبيرة بين المشروعين.

وهذه هي الحقيقة التي يغفل عنها كثير من أصحاب المشاريع…

المشاريع لا تنجح بسبب قرار عظيم واحد، وإنما تنجح بسبب عشرات القرارات الصحيحة التي تُتخذ في الوقت المناسب.

في المقال السابق تعلمنا كيف نقيس أداء المشروع ونحلل نتائجه، لكن الأرقام وحدها لا تغير الواقع

الذي يغير الواقع هو القرار الذي تتخذه بعد أن تفهم تلك الأرقام.
ولهذا سننتقل اليوم إلى مهارة جديدة، وهي من أهم المهارات التي يحتاجها كل صاحب مشروع، سواء كان مشروعه صغيرًا أو كبيرًا، رقميًا أو تقليديًا.

انها مهارة اتخاذ القرار.

من أكثر الأفكار التي تمنع الناس من التقدم أنهم يخافون من اتخاذ القرار، لأنهم يخشون أن يكون القرار خاطئًا.
ولهذا تجد بعض أصحاب المشاريع يؤجلون قراراتهم أيامًا وأسابيع، وربما أشهرًا، ليس لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون، بل لأنهم يريدون ضمان النجاح بنسبة مئة في المئة.
لكن الحقيقة أن هذا الضمان غير موجود.

حتى أكبر الشركات في العالم اتخذت قرارات خاطئة، وحتى أنجح رواد الأعمال مروا بتجارب لم تحقق النتائج التي كانوا يتوقعونها.

إذن ما الفرق بينهم وبين غيرهم؟

الفرق أنهم لا يقيسون نجاحهم بعدد القرارات الصحيحة فقط، وإنما بسرعة التعلم من القرارات غير الناجحة

فالقرار الذي يعلمك درسًا يمنع خسارة أكبر في المستقبل ليس خسارة حقيقية، بل هو استثمار في خبرتك

.

ولهذا لا تجعل خوفك من الخطأ يمنعك من الحركة، لأن المشروع الذي يتوقف خوفًا من الخطأ يخسر أكثر من المشروع الذي يجرب ويتعلم.

إذا تأملت حياة أصحاب المشاريع الناجحة ستلاحظ أنهم لا يمتلكون قدرة خارقة على معرفة المستقبل.

لكنهم يمتلكون عادة لا يتخلى عنها معظمهم…

قبل أن يتخذوا أي قرار، يسألون أنفسهم مجموعة من الأسئلة البسيطة.هل يخدم هذا القرار هدفي؟
هل يحل المشكلة أم يؤجلها؟
هل سأستفيد منه بعد سنة كما أستفيد منه اليوم؟
وهل اتخذت هذا القرار لأنني فكرت فيه جيدًا، أم لأنني شعرت بالخوف أو بالحماس؟
قد تبدو هذه الأسئلة عادية، لكنها تصنع فرقًا هائلًا.
لأنها تنقل الإنسان من ردود الأفعال السريعة إلى التفكير الهادئ.

وصاحب المشروع الذي يفكر قبل أن يقرر، يقلل أخطاءه مع مرور الوقت، بينما الذي يقرر ثم يبدأ بالتفكير، غالبًا ما يدفع ثمن استعجاله.

ولهذا لا تجعل سرعة اتخاذ القرار هدفًا بحد ذاتها، بل اجعل جودة القرار هي الأولوية.

لنتخيل موقفًا يتكرر في كثير من المشاريع.
حقق المشروع نجاحًا بسيطًا خلال أسبوع واحد، فيشعر صاحبه بحماس كبير، ويقرر التوسع بسرعة، أو إنفاق مبالغ كبيرة، أو تغيير خطته بالكامل.
وبعد فترة قصيرة يكتشف أن النجاح كان مؤقتًا، وأن قراره كان متسرعًا.
وفي موقف آخر، يتعرض المشروع لتعثر بسيط، فيظن صاحبه أن الفكرة كلها فاشلة، فيقرر التوقف، بينما لو صبر قليلًا وعدّل بعض التفاصيل لحقق نتائج أفضل.
في الحالتين لم تكن المشكلة في المشروع، بل في أن القرار صدر تحت تأثير المشاعر.
ولهذا فإن صاحب المشروع المحترف يحترم مشاعره، لكنه لا يسمح لها بقيادة مشروعه.
فالمشاعر تخبرك بما تشعر به…
أما الحقائق فتخبرك بما يجب أن تفعله.
ولهذا كان من أهم ما تعلمناه في المقال السابق أن نراجع النتائج ونقيس الأداء، لأن الأرقام الهادئة غالبًا ما تكون أصدق من المشاعر المتقلبة.


فالمشاعر الحادة تجعل الإنسان يرى جزءًا من الصورة ويغفل بقية التفاصيل. لذلك إذا كان القرار يحتمل التأجيل ليوم واحد، فمن الحكمة أن تمنح نفسك فرصة للهدوء ثم تعود إليه بعقل أكثر صفاءً.


قد يكون القرار الذي يمنحك راحة اليوم هو نفسه الذي يسبب لك مشكلة بعد أشهر، بينما يكون القرار الأصعب الآن هو الأكثر فائدة على المدى الطويل.


استشارة أهل الخبرة أمر مهم، لكن في النهاية أنت من سيتحمل نتائج القرار، ولذلك يجب أن يكون اقتناعك نابعًا من فهمك، لا من تقليد الآخرين.


اسأل نفسك بصدق: هل أرفض هذه الخطوة لأنها خاطئة فعلًا، أم لأنني أخشى خوض تجربة جديدة؟
كثير من الفرص تضيع بسبب الخوف، لا بسبب عدم صلاحيتها.


بعض أصحاب المشاريع يغيرون قراراتهم بسرعة قبل أن تظهر نتائجها، فينتقلون من فكرة إلى أخرى دون أن يمنحوا أي خطة الوقت الكافي للنجاح.


هناك اعتقاد منتشر يقول إن صاحب المشروع الناجح لا يغير قراراته.
لكن الواقع يقول العكس.
الحكمة ليست في التمسك بالقرار مهما كانت النتائج، وإنما في التمسك بالهدف، مع الاستعداد لتغيير الوسيلة إذا أثبت الواقع أنها لم تعد مناسبة.
فالإنسان الحكيم لا يعتبر الرجوع عن قرار غير ناجح هزيمة، بل يعتبره تصحيحًا للمسار.
بل إن كثيرًا من المشاريع الكبيرة وصلت إلى نجاحها الحالي لأنها امتلكت الشجاعة لتعديل خططها في الوقت المناسب.
إذن لا تخجل من تغيير قرارك إذا كانت الحقائق الجديدة تثبت أن هناك طريقًا أفضل، لكن لا تغيره لمجرد الملل أو ضغط الآخرين.


من الأخطاء التي يقع فيها بعض أصحاب المشاريع أنهم يربطون كل مشكلة بضرورة تغيير الخطة.
لكن ليست كل مشكلة تعني أن الخطة خاطئة.
أحيانًا يكون المشروع يسير في الطريق الصحيح، لكنه يحتاج إلى مزيد من الصبر، أو إلى تعديل بسيط، أو إلى اكتساب مهارة جديدة.
ولهذا فإن صاحب المشروع المحترف يسأل نفسه قبل أي تغيير:


هذا السؤال وحده قد يوفر عليك أشهرًا من التجارب غير الضرورية.

ن

لقراءة جميع المقالات من هذه السلسلة رحلة المشروع الناجح اضغط على زر الوتساب اسفل الصفحة وتابع القناة لكي تصلك المقالات الجديدة اولاً بأول

3 Responses

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WhatsApp